نخبة من الأكاديميين
258
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
فيها كل دول أوروبا وانتهت بصلح وستفاليا 1648 م ، بعد تسوية كل هذه الأوضاع التي شغلت الأوروبيين بدأ اتجاههم التدخلي نحو قلب العالم الإسلامي . ولم يأخذ هذا الاتجاه شكلًا واحدًا في الهجوم المباشر منذ البداية ، وإنما اتخذ درجات متصاعدة من الهجوم على الأطراف ثم على القلب ، وذلك في ظل تطور تنافس الدول الأوروبية على التوسع الخارجي ، فبعد منافسة هولندا وفرنسا وبريطانيا لكل من البرتغال وإسبانيا في المحيط الأطلنطي والعالم الجديد والبحار الجنوبية وحول الهند ( 1588 - 1763 م ) ، تطوَّر التنافس الاستعماري بين القوى الأوروبية من مرحلة التنافس الإنجليزي - الفرنسي الذي اشتد في أواخر القرن الثامن عشر م إلى مرحلة الهيمنة البريطانية خارج القارة الأوروبية . هذا وبالرغم من أن أطر التنافس الاستعماري بين الدول الأوروبية الكبرى هي التي شكلت دوافع وأدوات وأهداف اتجاهها نحو العالم الإسلامي فلقد كان يجمع بينها خلفية مشتركة وهي الرغبة في الاشتراك في الحرب ضد الأتراك . مثلت هذه الرغبة أساس أغلب المحاولات لتحقيق وحدة أوروبية أو " عصبة أمم " وعلى نحو لم يخف أثر الفكر الصليبي . ومن ناحية أخيرة : انعكست التطورات في طبيعة دور ووزن الطرف الأوروبي ليس على اتجاه تحركه نحو العالم الإسلامي فقط ولكن وبقوة على وزن وتأثير الطرف الأوروبي في العلاقات بين الدول الإسلامية . فبعد أن كانت الدول الإسلامية وخاصة العثمانية والمملوكية - تستطيع توظيف الخلافات والتوازنات الأوروبية لخدمة مصالحها أضحى عامل التدخل الخارجي في العلاقات بين الدول الإسلامية ذا تأثير سلبي متزايد . إشكاليات التحليل وأقسامه في هذه الدراسة على ضوء أهمية المرحلة العثمانية تبلور تدريجيًا عبر القرون من السادس عشر إلى التاسع عشر الميلادي التداخل والتشابك بين تاريخ العالم الإسلامي والتاريخ العالمي على نحو لم يتحقق من قبل في نفس الوقت الذي اتجه فيه هذا العالم للتجزئة إلى أقاليم متمايزة . وقدمت الدولة العثمانية أنماطًا متنوعة عن هذا التداخل والتشابك « 1 » . من أهم هذه الإشكاليات يمكن أن نوجز ما يلي : ( أ ) تناقض المقولات حول أثر الدور العثماني على العالم الإسلامي في مواجهة الغرب الأوروبي ، وهل حقق هذا الدور بعثًا وتضامنًا جديدًا في مواجهة الخطر الأوروبي الجديد ؟ أم كان عامل تقسيم وتفتيت بسبب الحروب مع الصفويين والسيطرة التركية على العرب ؟ هل حمى هذا الدورُ العالمَ الإسلامي من الاستعمار الغربي أم كان عامل خمود وتأخُّر للعالم الإسلامي بصفة خاصة ؟ ب - طبيعة التطور في توظيف الدور العثماني للتوازنات الأوروبية ، ووضع الدولة العثمانية في هذه التوازنات . فبعد أن كان هذا التوظيف إيجابيًا لخدمة أهداف ومصالح الفتوح العثمانية خارج أوروبا وعلى صعيدها ، أضحى هذا التوظيف لاحقًا قاصرًا على خدمة عملية الدفاع عن تماسك ووحدة
--> ( 1 ) M . G . Hodgson : op . cit . pp 8 - 12 . - Kemal Karpat ( ed ) : The Ottoman State and its Place on the World History . E . G . Brill . Leien , 1974 . p . 1 .